أبي حيان التوحيدي

319

المقابسات

من النحويين فإنهم بهرجوا كلمة بعد كلمة منها من ناحية الاعراب والصوغ ، فأعدت على أبى سليمان ذلك فقال : إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته الخاصية فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ ؟ قال : وليس « 1 » ؟ ؟ ؟ هذا منى في تصحيح اللفظ واختلاف التزويق وتخير البيان ، ولكن أقول : متى جمح اللفظ ولم يوات ، واعتاص ولم يسمح ، فلا تفت نفسك خصائص المطلوبات وغايات المقصودات ، فلأن تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الاصلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي يرتقى إلى الايضاح . ولولا هذا الذي قاله هذا الشيخ لما اخترت نثر هذه الحدود على ما عرفتك من أعلامها واطراد القول عليها ، ومن بحر الحكمة تدفقه فقد أوتى فضلا كثيرا وفاز فوزا عظيما وأحرز ملكا كبيرا 92 مقابسة [ في أن شرف العلم والمعرفة والفضائل هو سبب قلتها في هذا العالم ] قال أبو سليمان : إنما صار العلم والمعرفة واليقين والفضائل بأسرها قليلة في هذا العالم لشرفها في أنفسها واتصالها بعالمها ، وهكذا أعزه كل شئ شريف في نفسه وعزيز في جوهره ، أنظر إلى المعادن في الأرض وإلى قلتها إذا تدبرت سائر الأجسام ، ثم انظر إلى قلة الأشرف منها ، وهو معدن الذهب ، ثم انظر إلى بخل المعدن بما فيه إلا لمستحقه بالطلب والجهد والمعاناة والكدح ، وهكذا المعارف والفضائل تعرف في هذا الجناب لأنها تنبو عنه فلا تقر فيه ولا تأنس به ، فعلى هذا كلما اشتهر وفشا وكثر ، فإما ذلك بمعونة الطبيعة وكثرة

--> ( 1 ) بياض بالأصول التي بأيدينا